أحمد مصطفى المراغي
184
تفسير المراغي
الإيضاح ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ) أي أطيعوا اللّه ورسوله في الإجابة إلى الجهاد وترك المال إذا أمر اللّه بتركه ، ولا تعرضوا عن طاعته ، وعن قبول قوله ، وعن معونته في الجهاد ، وأنتم تسمعون كلامه الداعي إلى وجوب طاعته وموالاته ونصره ، ولا شك أن المراد بالسماع هنا سماع الفهم والتصديق بما يسمع ، كما هو شأن المؤمنين الذين من دأبهم أن يقولوا « سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ » . ( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ) وهؤلاء القائلون فريقان : فريق الكفار المعاندين ، وفريق المنافقين الذين قال في بعض منهم « وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ما ذا قالَ آنِفاً ؟ » . ( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ) الدواب ، واحدها دابة : وهي كل ما دبّ على الأرض كما قال « وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ » وقلّ أن يستعمل في الإنسان بل الغالب أن يستعمل في الحشرات ودواب الركوب ، فإذا استعمل فيه كان ذلك في موضع الاحتقار ، أي إن شر ما دب على الأرض في حكم اللّه وقضائه هم الصم الذين لا يصغون بأسماعهم ليعرفوا الحق ويعتبروا بالموعظة الحسنة ، فهم بفقدهم لمنفعة السمع كانوا كأنهم فقدوا حاسته ، البكم الذين لا يقولون الحق ، ومن ثم كانوا كأنهم فقدوا النطق الذين لا يعقلون الفرق بين الحق والباطل والخير والشر ؛ إذ هم لو عقلوا لطلبوه واهتدوا إلى ما فيه المنفعة والفائدة لهم كما قال « إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ » . والخلاصة - إنهم حين فقدوا منفعة السمع والنطق والعقل كانوا كأنهم فقدوا هذه المشاعر والقوى ، بأن خلقوا خداجا ناقصى هذه المشاعر ، أو طرأت عليهم آفات